السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

113

مختصر الميزان في تفسير القرآن

قوله تعالى : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ بيان لسبب اختلاف الشرائع ، وليس المراد بجعلهم أمة واحدة الجعل التكويني بمعنى النوعية الواحدة فإن الناس أفراد نوع واحد يعيشون على نسق واحد كما يدل عليه قوله تعالى : وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ( الزخرف / 33 ) . فمعنى الآية - واللّه أعلم - : لكل أمة جعلنا منكم ( جعلا تشريعيا ) شرعة ومنهاجا ولو شاء اللّه لأخذكم أمة واحدة وشرع لكم شريعة واحدة ، ولكن جعل لكم شرائع مختلفة ليمتحنكم فيما آتاكم من النعم المختلفة ، واختلاف النعم كان يستدعي اختلاف الامتحان الذي هو عنوان التكاليف والأحكام المجعولة فلا محالة ألقى الاختلاف بين الشرائع . وهذه الأمم المختلفة هي أمم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى اللّه عليه وآله وعليهم كما يدل عليه ما يمتنّ اللّه به على هذه الأمة بقوله شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى ( الشورى / 13 ) . قوله تعالى : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً الخ ؛ الاستباق أخذ السبق ، والمرجع مصدر ميميّ من الرجوع ، والكلام متفرع على قوله : « لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً » بما له من لازم المعنى أي وجعلنا هذه الشريعة الحقة المهيمنة على سائر الشرائع شريعة لكم ، وفيه خيركم وصلاحكم لا محالة فاستبقوا الخيرات وهي الأحكام والتكاليف ، ولا تشتغلوا بأمر هذه الاختلافات التي بينكم وبين غيركم فإن مرجعكم جميعا إلى ربكم تعالى فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ، ويحكم بينكم حكما فصلا ، ويقضي قضاء عدلا . قوله تعالى : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ ، هذا الصدر يتحد مع ما في الآية السابقة من قوله : « فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ » ، ثم يختلفان فيما